ألقيت في جامع بن زاهر - تريس - وادي حضرموت - 21 جمادى الآخرة 1447
الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهُدَى هُدَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ؛ أَعَاذَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ وَجَمِيعَ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ مِنَ النَّارِ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ». قَالَ العُلَمَاءُ: أَيْ لَا يَتْرُكُهُ فِي شَيْءٍ يُؤْذِيهِ وَلَا مَعَ مَنْ يُؤْذِيهِ، بَلْ يَنْصُرُهُ؛ وَنُصْرَتُهُ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الأَحْوَالِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ» وَكَانَ مِمَّا أَمَرَ الأُمَّةَ بِنُصْرَةِ المَظْلُومِ بِنُصْرَةِ المَظْلُومِ. وَهَكَذَا أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ -أَوِ البُخَارِيُّ- عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قَالُوا: نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ عَنِ الظُّلْمِ فَإِنَّهُ نَصْرُهُ لَهُ». وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا؛ إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ نَصْرٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ».
وَفِي "الصَّحِيحَةِ" وَهُوَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ عَبْدًا جُلِدَ جَلْدَةً فِي قَبْرِهِ فَامْتَلأَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا؛ هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا جُلِدَ فِي قَبْرِهِ جَلْدَةً فَامْتَلأَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: لِمَ جُلِدْتُ هَذِهِ الجَلْدَةَ؟ قَالُوا: مَرَرْتَ بِمَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ».
يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا».
وَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}، وَقَالَ: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}، وَقَالَ: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ}.
إِنَّ لِلْمَظْلُومِ دَعْوَةً؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ». وَفِي البُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ العَدَوِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- قَالَ لِعَامِلِهِ: «وَاضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ»، فَحَذَّرَهُ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ.
وَفِي المُسْنَدِ وَهُوَ فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَإِمَامٌ عَادِلٌ، قَالَ: وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ اللهُ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
وَلِابْنِ حِبَّانَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ».
فَاتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسْلِمُ، لَا تَقَعْ فِي الظُّلْمِ، فَرُبَّمَا صَادَفَتْكَ دَعْوَةُ مَظْلُومٍ فَتَهْلِكَ دُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دَعَا عَلَى المَرْأَةِ الَّتِي ظَلَمَتْهُ وَبَهَتَتْهُ فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ فَهَلَكَتْ، وَدَعَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى الَّذِي ظَلَمَهُ وَبَهَتَهُ فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ؛ فَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ سَعِيدٍ وَسَعْدٍ، فَرُبَّمَا هَلَكْتَ بِزَلَلٍ لَا تُلْقِي لَهُ بَالًا؛ إِمَّا كَلِمَةٌ، وَإِمَّا فِي مَالٍ، أَوْ فِي عِرْضٍ، أَوْ فِي بَدَنٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللهِ.
فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ»، وَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ لَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ؛ إِنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِلْمَظْلُومِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ المَظْلُومِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ».
======
الحَمْدُ للهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ؟» قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. قَالَ: «بَلِ المُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي بِحَسَنَاتٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا» -وَهَذَا مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الظُّلْمِ الجَوَارِحِ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّالِمِ وَالبَدَنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَظْلُومِ- «أَوْ شَتَمَ هَذَا» -وَهَذَا مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الظُّلْمِ اللِّسَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّالِمِ وَالعِرْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَظْلُومِ- «يَأْتِي وَقَدْ قَذَفَ هَذَا» -وَهَذَا كَسَابِقِهِ- «وَيَأْتِي وَقَدْ أَخَذَ مَالَ هَذَا» -وَفِيهِ بَيَانُ بَعْضِ مُتَعَلَّقَاتِ الظُّلْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَظْلُومِ: المَالِ وَلَوْ قَلَّ وَإِنْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلظَّالِمِ الجَشَعِ وَالطَّمَعِ وَأَخْذِ المَالِ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ بِسَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهِ الظُّلْمِ-.
قَالَ: «أَوْ سَفَكَ دَمَ هَذَا» -وَهَذِهِ فاقرة وَهَذِهِ عَظِيمَةُ العَظَائِمِ-. قَالَ: «فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ فَكُبَّ فِي النَّارِ».
وَبِنَحْوِهِ عَنْ سَلْمَانَ -وَهُوَ فِي الصَّحِيحَةِ- أَنَّ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَأْتِي الرَّجُلُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ لَا يَظُنُّ إِلَّا أَنَّهُ نَاجٍ بِهَا، وَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ مَظَالِمَ؛ فَيَأْتِي الرَّجُلُ لَهُ عَلَيْهِ مَظْلَمَةٌ فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَيَأْتِي الرَّجُلُ لَهُ عَلَيْهِ مَظْلَمَةٌ فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَيَأْتِي الرَّجُلُ وَلَهُ عَلَيْهِ مَظْلَمَةٌ وَقَدْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ فَتُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ المَظْلُومِ فَتُوضَعُ عَلَى الظَّالِمِ».
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ هَذَا الحَالِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ إِذَا أَطَالَ السَّفَرَ أَوْ إِذَا سَافَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ، وَمِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ»؛ لِخُطُورَتِهَا وَعِظَمِ شَأْنِ حَالِ الظُّلْمِ وَحَالِ المَظْلُومِ.
وَهَكَذَا قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَمَا فِي المُسْنَدِ وَهُوَ فِي "الجَامِعِ الصَّحِيحِ": «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الذِّلَّةِ وَالقِلَّةِ، وَتَعَوَّذُوا بِاللهِ أَنْ تَظْلِمُوا أَوْ تُظْلَمُوا». وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذِّلَّةِ وَالقِلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ».
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ». وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ...» وَذَكَرَهَا.
وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي دُعَاءٍ عَظِيمٍ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا»؛ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ([1]) وَغَيْرُهُ وهو صحيح.
فَهَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ نَخْتِمُ بِهِ؛ فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ أَنْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ.
وَنَسْأَلُ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَجْعَلَ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الهُدَى وَالسَّدَادَ وَالعَفْوَ وَالعَافِيَةَ وَالفَوْزَ بِالجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.